ملاحظات على ورقة ورشة العمل المقدمة حول مكافحة جريمة الاتجار بالبشر(1)


السبت 12 أكتوبر 2019 01:57 مساءً

عرض وتقرير/ هشام الحاج:

أثرت ورقة ورشة العمل المقدمة حول جريمة مكافحة الاتجار بالبشر والأطر التشريعية الدولية الإقليمية للقاضي فهيم عبدالله الحضرمي عضو مجلس القضاء الأعلى رئيس محكمة استئناف / عدن والتي قدمها كمحاضرة ضمن الورشة التي عقدت واستمرت ثلاثة أيام وتعتبر جريمة الاتجار بالبشر من الجرائم الشديدة والخطورة على المستويين الإقليمي والدولي خاصة بعد أن اتخذت هذا النوع من الجرائم الطابع الوطني وتزداد خطورته مع ما يصاحب هذه الجريمة من آثار اجتماعية واقتصادية، كما تعتبر ثالث أكبر تجارة إجرامية في العالم بعد تجارة المخدرات وتجارة السلاح، والتي تعد جريمة الاتجار بالبشر تمثل انتهاكاً جسيماً في مجال حقوق الإنسان الأساسي وكذلك لكرامة الإنسان ومستقبل وجوده في الأرض إذ أنها تعتبر شكلاً عنصرايً من أشكال العبودية حيث يتعرض مآت الآلاف من النساء والأطفال والرجال على مستوى العالم ومن هنا كان لابد من التصدي الفعال لهذه الجريمة وفق استراتيجيات ثاقبة تتناول التطبيق الكامل للقانون في مواجهة الحياة من جهة وحماية الضحايا من جهة أخرى، ولأهمية موقع اليمن الجغرافي، والجدير بالإشارة الذي سردها القاضي فهيم في محاضرته السلسة والرائعة، حيث تعتبر اليمن نقطة عبور سهلة بين العديد من الدول حول آسيا وأفريقيا نتيجة لموقعها الجغرافي البحري، وشهدت في الآونة الأخيرة هجرات إفريقية غير قانونية وغير ذلك حسب ظروف الحرب، ولاشك أن اليمن تتأثر بهذه القضية بوصفها دولة عبور حيث تعتبر كنقطة التقاء بين قارتي آسيا وأفريقيا وهمزة الوصل بينهما وبين قارة أوروبا من جهة أخرى.

وقد كانت اليمن منذ تاريخها القديم وتحديداً في عهد الاستعمار البريطاني عرفت مدينة عدن بهذه الظاهرة، حينما كان يتم نقل الأشخاص من إفريقيا وآسيا وبيعهم لدول أوروبا وأمريكا كرقيق في جزيرة العبيد بخور مكسر التي غيّر اسمها لاحقاً بجزيرة العمال بعد الاستقلال الوطني، وقال في سياق محاضرته أن الدين الإسلامي الحنيف كرم الإنسان وجعله الله خليفته في الأرض ومتعه بنعيم الحرية ونهى عن أي مساس بحرمته مصداقاً لقوله تعالى (لقد كرمنا بني آدام وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) الإسراء.

لذى اعتبر علماء المسلمين أن آخر مظاهر الرق والعبودية قد اختفى بظهور الإسلام الحنيف الذي نشر العدل والمساواة بين الناس تأكيداً على عظمة الدين الإسلامي ومساواته المطلقة لبني البشر غنيهم وفقيرهم أبيضهم وأسودهم وأصفرهم، وجعل التكريم من الأعظم لبني البشر، تمثل بالتقوى والعمل الصالح الذي يعود على المجتمع البشري بالخير والسلام والمحبة لهم هم ومن حولهم، ولنا في أول ميثاق إنساني جاء به الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم كحرمة يومكم هذا...إلخ، وقوله تعالى الذي يستمع إليه في منابر أمة الإلام قاطبة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).

وأشار إلى أن بلادنا لم تحز أي تقدم في مجال محاربة الاتجار بالبشر طوال الأعوام الماضية كون البلد غارقة في حرب ثانية يقف عاجزاً أمام عملية الاتجار بالبشر التي تحصل على أراضيه، حيث وصف التقرير السنوي الأخير لوزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر وأن اليمن في ذيل القائمة حسب التقرير السنوي وأن المؤشر خطير يستدعي الانتباه لما تعانيه مؤسسات الدولة اليمنية من عدم قدراتها على ضبط الأمن وسط فساد مستشري لم تتمكن الحكومة من تخصيص أي جهد لتفعيل الاتفاقيات والحد من الاتجار بالبشر رغم المحاولات التي بُذلت في فترة ما قبل الحرب بإعداد مشروع القانون ووافق مجلس الوزراء على قانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر واستيعاب الملاحظات المقدمة عليه: وكلف وزراء الدولة لشؤون مجلس النواب والشورى والعدل والشؤون القانونية، باستكمال الإجراءات القانونية اللازمة وهو مالم يتم من قبل مجلس النواب الشرعي  بسبب انفجار الحرب.

وأشارت المذكرة الإيضاحية مشروع القانون المقدم من وزير العدل أن ما تمثله ظاهرة الاتجار بالبشر من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وأن اليمن ضمن الدول التي تعاني من مختلف صور وأشكال هذه الجريمة مثل تهريب الأطفال والهجرة غير المشروعة وبيع الأعضاء البشرية واستغلال النساء والأطفال وغيرها، وتؤكد حاجة بلادنا إلى تشريع قانوني يهدف إلى مكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر والحد منها خاصة أن العديد من الدول العربية والأجنبية قد قامن بإصدار تشريعات وقوانين خاصة بتجريم ومكافحة هذه الظاهرة، ويتمثل مشروع القانون في المادة (44) موزعة في خمسة فصول تتضمن التسمية والتعاريف ونطاق السريان والتجريم أو العقاب مسؤولية الناقلين والأشخاص الاعتبارية حماية الضحايا وأحكام ختامية حيث تم الاستفادة والأخذ أثناء إعداد هذه المحاضرة بأحدث وأفضل الممارسات والتطورات التشريعية والقانونية التي وصلت إليها الكثير من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية في سبيل مكافحة هذه الجرائم وحقوق مشروع القانون على نصوص ومواد تضمن تجريم صور وأشكال الاتجار بالبشر، وكذا أفعال الاستغلال وصور المشروع والإشراك في ارتكاب هذه الجرائم وتجريم أفعال المشاركة في عصابة أو جماعة إجرامية منظمة تهدف إلى ارتكاب جرائم الاتجار بالبشر وغيرها.

عُرف مفهوم الاتجار بالبشر لاستخدامه النقل والإخفاء والتسليم لأشخاص من خلال التهديد من خلال الاختطاف أو الخداع واستخدام القوة والتحايل أو الإجبار أو من خلال إعطاء أو أخذ فوائد الاكتساب موافقة وقبول الشخص يقوم بالسيطرة على شخص آخر بهدف الاستغلال الجنسي أو الإجبار على القيام بالعمل، وهذا التعريف ساد إطلاقه على الاتجار بالبشر لاعتماده على النص القانوني لبروتكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالبشر وبخاصة النساء والأطفال المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة، ومن الممكن تقسيم مفهوم الاتجار بالبشر طبقاً لهذا البروتكول إلى قسمين.

1.الاتجار بالبشر لأغراض جنسية، حيث يتم فرض ممارسات جنسية مقابل الأجر بالقوة أو الخداع أو بالإكراه أو أن يكون الشخص الذي أجبر عن القيام بذلك النشاط لم يبلغ الثامنة عشر من العمر.

2.تحديد أو إيواء أو نقل أو توفير أو امتلاك البشر من أجل العمل أو الخدمة عن طريق القوة أو الخداع أو الإكراه بهدف الإخضاع لعبودية قسرية أو الاستغلال غير المشروع كضمان الدين والعرض.

وأوضح القاضي فهيم عن التطور التاريخي للظاهرة، حيث قال أن مشكلة الاتجار بالبشر ليست وليدة السنوات الأخيرة التي ظهرت فيها مصطلح الاتجار بالبشر هي مشكلة ضاربة في القدم وعميقة جداً وحتى يتم فهمها بشكل صحيح لابد من الوقوف على تطورها التاريخي أو بشيء من الاختصاص ومن المعروف أنه قد سادت في عصور ماقبل الميلاد قاعدة القوي يسيطر على الضعيف، ومن هنا بدأت جذور المشكلة وانقسم البشر إلى سادة وعبيد وظهرت أبشع صور استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وظهرت تجارة الرقيق بصور كثيرة وواضحة أثر حركة الاستكشافات التي عمت العالم في القرنين السادس عشر والسابع عشر وظهرت حركة القنص الآدمي على سواحل القارات والمناطق المكتشفة خاصة الإفريقية منها وعرفت آن ذاك مشكلة الاتجار بالبشر وتجارة الرقيق مما يجدر الإشارة إليه أنه كان لبريطانيا دور كبير لتعزيز هذه المشكلة وعبر حقب من التاريخ ومن الشواهد فقد بلغت تجارة الرقيق أوج اتساعها في حرب ماقبل الاستقلال الأمريكية وكانت قواعدها في لندن ليفربول بروستول ولافكايز وعدن، ولقد كانت الملكة إليزبيث الأولى تشارك وأعارت التجار بعض أساطيلها لجلب الرقيق، وقد حكمت هذه الملكة من عام 1558-1603م وكانت شريكة لجون هوكنز أعظم نخاس في التاريخ وقد رفعته إلى مرتبة النبلاء وإعجاباً ببطولته وجعلت شعاره رقيقاً ترف فيه السلاسل والقيود، وقد جلبت إنجلترا من رجال الدين مبرراً لهذه التجارة فأسعفوها بنصوص التوراة المحرفة، وبالتالي كان استعباد الزنوج يحتاج بل أنه أصبح ممارساً عند الأوروبيين وكان الرقيق يعاملون بقسوة شديدة وكان التردي بحياتهم بكثير من الأحيان، وعلى الرغم من ذلك كانت تسن قوانين الرق ولكنها في أغلب الأحيان ضدهم ومنها قانون تروينا الذي ينص على أن (الجرم يحرم على السادة إلزام العبيد بمقاتلة الوحوش إلا بإذن من القاضي)، ولقد انتشرت هذه الآفة أي تجارة العبيد والرقيق وصور استغلالهم البشع إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى كثير من الدول العربية واستمر على هذا الحال لذلك حتى ظهرت حركات مكافحة العنصرية والاستعباد واستغلال البشر بشتى أنواعه خلال القرون الماضية على الرغم من ظهور هذه الحركات المناهضة للاستعباد والرق، إلا أن مشكلة الاتجار بالبشر لم تنتهي بل كانت تمنوا أكثر فأكثر، ولكن في الخفاء، الأمر الذي جعلها أسوأ ممارسة كانت عليها العصور الوسطى إلى أن وصلت إلى ماهي عليه اليوم على الرغم من انتشار مبادئ الحرية والمساواة التي تكفلها القوانين الدولية ومنها الداخلية مما تجدر الإشارة أخيراً أنه على الرغم من أن الدول الغربية قد اتهمت الدول النامية وبالأخص منطقة الشرق الأوسط بتهمة المتاجرة بالبشر إلا من منشأ هذه المشكلة كان بسبب ممارساتهم التي تتجدد باستمرار في الوقت الذي كانت مشكلة الاستعباد وبالرق في أوجها لدى الغرب.



http://adengd.net/news/415055/
جميع الحقوق محفوظة عدن الغد © {year}