مؤسسة عدن الغد للإعلام | من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | ارسل خبر | نسخة الموبايل | نسخة القديمة | آخر تحديث للموقع الخميس 09 يوليو 2020 01:14 صباحاً

ncc   

عناوين اليوم
ملفات وتحقيقات

معتقدات وتقاليد يمنية قديمة: جمع السيد "الأهدل" و طقوس "المجاذيب"

السبت 06 يونيو 2020 08:02 مساءً
( عدن الغد )

كتب : طاهر عبدالحق

بينما كنت اقترب من قرية "الهجمة" في رحلة الدرب الطويل. كنت متشوقا لأرى مقام السيد الولي، مكان الجمع الاحتفالي، الذي كان يقام من امامنا في زمن الطفولة والصبا.

وبدت من أمامي سلسلة طويلة من الذكريات. أهمها جمع السيد الأهدل وطقوس المجاذيب، وهم يسددون العديد من الطعنات بالخناجر والفؤوس إلى أجسادهم في مهرجان الدم والغثيان.

كان مشهد المجاذيب في ذلك الزمن لغرض إخافة الأطفال وترويعهم، وتثبيت الإعتقاد بالقوة الخارقة للصوفي، الذي مات ودُفن هنا منذ عشرات السنين.
ثم ينمو الجهل ويتراكم، ويصبح للولي أتباع من الجهلة والأغبياء، الذين يتحول معظمهم إلى مجاذيب.

انه شيئ لا يصدق وأنت تتفرج إلى المجذوب من أمامك، وهو يرفع رأسه إلى السماء ويهوي بالفأس إلى ناصيته أو إلى كتفه، ويحدث صوتا وصراخا متتابعا: "الا يا باهوت". "ألا يا ابن علوان، يا من مجاذيبك مئة قبيلة".

بينما مجذوب آخر يستمر يقرع الطبيلة، وهي طبلة صغيرة ذات تجويف معدني مبطن بالجلد، لها أذنان يتدلى منهما رباطان جلديان في طرف كلا منهما كرة محشوة بجسم صلب، وما ان يحرك المجذوب الطبيلة بيده عدة إهتزازات محورية حتى ترتطم الكرتان محدثتين اصواتا مصاحبة لأصوات المجاذيب وارتطام الفؤوس.

ومع ضربات الفؤوس، يقطر الدم ويسيح من رأس المجذوب وناصيته ومن كتفه، وكنا نحن الأطفال ننهار أمام المشهد الدامي، الذي نراه مباشرة أمام أعيننا.

كان الناس يتجمعون حول المجاذيب، يتحلقون ويصنعون دائرة، أو يصطف المجاذيب أمام مقام الولي. يعطي المجذوب ظهره لجدار المبنى، ويتنوع عرض المجاذيب وتتنوع المشاهد.
احد المجاذيب يضع حجرة كبيرة فوق جبينه ويتحرك ويدور ولا تسقط، وتظل ثابته في الجبين أمام دهشة الحضور.

مجذوب آخر يحشر الفأس في رأسه، أو يضع الخنجر في مكان ما تحت جفن العين، ونراه ونطفح من الألم وكأنه قد وخز عينه.

أما من يسدد الطعنات فوق معدته وبطنه، نراه متوحشا وكأنه يسدد إلى ناصية قلوبنا، وينجح في إخافة المتفرجين ويصنع الرعب والفزع.

ويحدث أن ينهار احد المتفرجين ليسقط على الأرض، وكأن نوبة من الصرع قد فاجأته. وفي تلك اللحظة يسري الخبر بين الحضور: بأن الرجل الذي سقط على الأرض، سوف يكون من مجاذيب ابن علوان.

ومن شائعة القول، أن المجاذيب هم مجموعة من النصابين يطعنون إلى "خصالة ابن علوان"، ولايطفحون ولا يشعرون بالألم. و"الخصالة" شجرة عملاقة معمرة، هي شجرة الجميز الضخمة، التي توجد في معظم وديان بلاد الحجرية، وقد تختلف المسميات من منطقة الى أخرى.

ولكن اين " أحمد ابن علوان"؟ واين "خصالة ابن علوان"؟

كنا نميل لتصديق هذه المقولة؛ المجاذيب يطعنون لعرض "ابن علوان"، وهو سيد الأولياء، وله قوة خارقة يسيطر على المجاذيب وشياطين الجن ويقيدهم، حتى من يتقرّبون من مقام السيد الأهدل، يذكرون شرطا "لإبن علوان"؛ فعندما يحضِرون ما عليهم من نذور للسيد الأهدل، يأتون بما عليهم من نذور لابن علوان كذلك.

كما كان المجاذيب يطوفون القرى والأسواق، ويمارسون طقوسهم الدامية، ويكون أهل القرى أكثر إستعدادا لمنح المجذوب ما تم شرطه لابن علون.

وكان القيِّم، وهو من يقوم بخدمة المقام والقبر، يستقبل الزوار الذين يحضرون طوال أيام السنة، يتشفعون ويقومون بالدعاء، يطلبون البركة في الرزق والإستشفاء من الأمراض، من السيد الأهدل النائم في قبره الى الابد.

ويستلم القيوم، اي القيم، النذور التي يأتي بها الناس طوال شهور السنة؛
يصلون إلى حضرة الولي "السيد الأهدل" ومعهم رؤوس الغنم او حبوب الطعام والسمن والعسل والدجاج والبيض وما إلى ذلك من النذور؛ مثل الشمع الذي يتحول إلى سراج دائم داخل مقام الولي طوال الليل.

والقيوم هو من يعلن عن قيام "الجمع" في يوم محدد من شعبان، وهو يوم الزيارة الكبرى، يوم الحج والمسيرة نحو جمع السيد الأهدل.

و"الجمع"، مناسبة إحتفالية وتظاهرة صوفية، يلقي فيها الشعراء قصائدهم، التي تعظم مدح الرسول وتتناول سيرته، وتصف الأولياء بالرجال الصالحين الزاهدين في الحياة.

ينعقد "جمع السيد الأهدل"، على ضفاف الوادي، بين حقول الذرة في أطراف قرية الهجمة، الواقعة في نهاية السلسلة الجبلية الممتدة من شمال الهضاب العليا المرتفعة للبلاد.
وتتصل الهجمة بواحات وادي المفاليس، التي تمتد جنوبا نحو صحراء لحج ووادي الصميته وبلاد الصبيحي.

وكنا نشاهد قارعي الطبول وهم يتقدمون مواكب الدخول إلى الجمع والإحتفال.

كان سكان الجبال يهبطون إلى الوادي، وسكان الواحات يزحفون باتجاه قرية الهجمة. وكل موكب يطلق العيارات النارية والعاب المفرقعات. ويأخذون بصوت الزامل ويتقدمون يرقصون، ويقال لقد أقاموا الزاوية، وهو مهجل وبرع- نوع من الرقص الشعبي والإنشاد الديني.

وعندما يدخل الموكب إلى جوار مقام الولي، يلقي شاعر الموكب قصيدة توصف بأجمل القصائد، بينما يأتي شاعر موكب قرية أخرى، ينافسه في إلقاء الشعر.

كان موكب "الجزائري" مميزا، يستقبله جمع السوق بحفاوة. إذ تتوقف حركة البيع والشراء ويتجه المجتمعون هنا لمشاهدة الجزائري، الذي يرفع بيُمناه "الجردة"- وهي نوع السيوف. ويبدأ بالبرع؛ يرقص، يتقدم قليلا، ويتبعه الموكب، وصوت دقات الطبول تدوي في الوادي، ويطلق الجمهور الأعيرة النارية والمفرقعات بكثافة.


يقولون؛ الجزائري "يحُف"، أي يتحرك في محيط نصف دائرة وهو يرقص ويتقدم للامام. والجزائري، الذي يأتي من الجبال البعيدة، كنا نراه في مناسبات مماثلة. كان الجزائري، شخصية تاريخية، لا يحلق شعر رأسه، بل يتركه يطول، ثم يرسله جدائل حول وجهه. وحين يتقدم ويتحرك، يتراقص شعر رأسه ويهتز، ويصنع الدهشة في قلوب مشاهديه.

كان الجزائري طويل القامة ممتلئ الجسم، قوي ونشط الحركة، ذو بشرة حمراء، يلبس قميص طويل مقلم، ويطوي حول صدره حافظة جلدية. وعندما يدخل موكبه إلى الجمع، يتوارى ويختفي عن العيون، لعله يعود إلى بلاده البعيدة في جبال الحجرية، الواقعة إلى الغرب من جمرك المفاليس.

يوم جمع الولي، كنا ننتقل بين العديد من المشاهد المثيرة، وحضور "مقرع" من المشاهد الأكثر غرابة. بل كان من حوادث ذلك الزمن.

في يوم جمع "السيد الأهدل"، كان يحضر "مقرع"، وهو كبير المجاذيب، وكنا ننتظر دوره المسرحي العجيب، الذي يأسر قلوبنا نحن الأطفال.

يتجمع الجمهور لمشاهدته؛ كان ينبطح على الأرض ويزحف نحو فتحة صغيرة ضيقة، موجودة أسفل جدار مقام الولي.
يحاول حشر جسده في تلك الكوة الضيقة من الجدار الجنوبي، والتي نسميها الجهة العدنية.

والفتحة الضيقة لا تتناسب مع جسد "مقرع"، فهو عملاق ضخم الجثة، عريض المنكبين.

يفشل "مقرع" وهو يحاول دخول الكوة الضيقة في الجولة الأولى، وتتوالى المحاولات الفاشلة، وجمع الناس من حوله يشعرون بألمه ومأساته، ويقولون أن "السيد الأهدل" يعذبه ويطهره من الذنب فهو ساحر.

وفي نهاية المطاف ينزلق جسد مقرع ويقع الجميع في مشهد الانبهار والذهول يختفي داخل الكوة ماذا حدث هل تمت مشاهدته من الداخل ولا نعلم .......يتوارى مقرع ويختفي ولا نراه سوى في الجمع السنوي التالي ......

 


المزيد في ملفات وتحقيقات
بيان لرئاسة جامعة عدن بعد فوزها بمسابقة على الفيسبوك يثير جدلا واسعا ويعيد السخط للواجهة
عادت جامعة عدن مجددا لتتصدر اخبار الساحة في الأيام الأخيرة وانتشر الجدل بين أوساط الاكاديمين في عدن بعد البيان الذي أصدره  رئيس جامعة عدن الدكتور خضر لصور 
طفل في تعز اليمنية يحوّل سيارة والده المدمرة إلى متجر صغير
حوّل طفل في مدينة تعز (وسط اليمن) سيارة عائلته التي دمّرتها الحرب إلى متجر صغير ليعيل منه أسرته، في ظل عجز والده عن القيام بذلك لسوء الوضع المعيشي الذي وصل إليه معظم
الفن التشكيلي في أوروبا بعيون يمنية... وموهبة مكتشفة في زمن كورونا
اكتشف المخرج والناقد السينمائي اليمني حميد عقبي، المقيم في فرنسا، موهبة جديدة تفجرت أثناء فترة الحجر الصحي المرتبطة بجائحة كورونا، ألا وهي الرسم التشكيلي. يكشف




شاركنا بتعليقك

شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها

الأيام
مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

الأكثر قراءة
نجاة عبدالعزيز جباري من محاولة اغتيال وعدن الغد تنشر صور وفيديو للتفجير
بشرى سارة لأهالي عدن، الدكتورة السعدي تعلن إغلاق المحجر الصحي في البريقة بعد خلو المستشفى من المرضى
قيادي في الحراك يوجه رسالة إلى الرئيس هادي.. ماذا قال؟
مصادر تكشف لـ"عدن الغد" بنود الاتفاق والاختلاف بين الشرعية والانتقالي لتشكيل الحكومة
اعلامي وناشط سياسي جنوبي : ماهكذا تورد الإبل يابن بريك.
مقالات الرأي
يقال ان الثور يندفع نحو اللون الاحمر لانه يبغضه والحقيقة ان الثور لايفرق بين الالوان وبغض النظر ان يبدو
رفضُ الاعتراف بخطأ حرب 94م وبجريمة قتل المشروعة الوحدوي وخارطة طريقه السياسي المتمثل بوثيقة العهد والاتفاق،
لعبة الحرب في اليمن هي اممية بامتياز و هي الحلقة المطورة والمعقدة من ايدلوجيا الكاتب الامريكي الشهير كوبلاند
  قبل أن نبدأ تشخيصنا للحكومة القادمة ، يواجهنا العديد من الأسئلة : هل ستكون هذه آخر حكومة تشهدها اليمن ؟
بداية الأمر: ساعد تأسيس الجمعية العدنية عام 1949م في ظهور قضية عدن. وكان الصحافي الكبير، والسياسي العدني، وقائد
انتقل التوتر بين الأطراف التي يفترض أنها توالي (الشرعية) وتقاوم الانقلاب الحوثي إلى محافظة تعز ليبدو للعلن
يبدو ان اتفاق الرياض قد دخل مراحله الحاسمة التي ستضع حدا للازمة الناڜئة منذ قرابة السنة وستحدد ملامح المرحلة
ماذا أكتب؟ … عَمَّ أكتب؟ … وكيف أبدأ الكتابة؟ أعجز عن الكتابة.. أعجز عن الامساك بالفكرة، بل عن الامساك
في الوقت الذي لم يجف فيه حبر المبادرة الشهيرة التي تقدم بها المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، في أبريل
نصيحتي ومن سويداء القلب لإخواني العرب من الخليج إلى المحيط بأن يحكموا عقولهم قبل قلوبهم، والعقل هو صمام أمان
-
اتبعنا على فيسبوك